ابن قيم الجوزية

274

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فصل المسلك الثالث : إن « قريب » في الآية من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف ، فكأنه قال : إن مكان الرحمة قريب من المحسنين ، ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره . ومن ذلك قول حسان : يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل فقال : « يصفق » بالياء و « بردى » هي مؤنث لأنه أراد ماء بردى . ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد أخذ بيديه ذهبا وحريرا فقال : « هذان حرام على ذكور أمتي » فقال : « حرام » بالإفراد والمخبر عنه مثنى ، كأنه قال : استعمال هذين حرام . وهذا المسلك ضعيف جدا لأن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لا يسوغ ادعاؤه مطلقا وإلا لا لتلبس الخطاب وفسد التفاهم وتعطلت الأدلة . إذ ما من لفظ أمر أو نهي أو خبر متضمن مأمورا به ومنهيا عنه ومخبرا إلا ويمكن على هذا أن يقدر له لفظ مضاف ، يخرجه عن تعلق الأمر والنهي والخبرية ، فيقول الملحد في قوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ أي معرفة حج البيت و كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي معرفة الصيام . وإذا فتح هذا الباب فسد التخاطب وتعطلت الأدلة ، وإنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة ، كما إذا قيل : أكلت الشاة فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها فحذف المضاف لا يلبس ، وكذلك إذا قلت أكل فلان كد فلان إذا أكل ماله ، فإن المفهوم أكل ثمرة كده فحذف المضاف هنا لا يلبس ونظائره كثيرة . وليس منه وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به فإن القرية اسم للسكان في مسكن مجتمع فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه من الشراب ، والذنوب للدلو الملآن ماء والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ونظائره .